سيد محمد طنطاوي

79

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

ثم ختم - سبحانه - هذه الآيات ، بآية جامعة لكل معاني القدرة والإيجاد والهيمنة على هذا الكون فقال : * ( ولَه مَنْ فِي السَّماواتِ والأَرْضِ ) * أي من الملائكة والجن والإنس ، خلقا ، وملكا ، وتصرفا ، كل ذلك له وحده - سبحانه - لا لأحد غيره . وقوله : * ( كُلٌّ لَه قانِتُونَ ) * مؤكد لما قبله ومقرر له ، أي : كل الخلائق له لا لغيره طائعون خاضعون ، خاشعون ، طوعا وكرها ، إذ لا يمتنع عليه - سبحانه - شيء يريد فعله بهم ، من حياة أو موت ، ومن صحة أو مرض ، ومن غنى أو فقر . هذا ، والمتأمل في هذه الآيات الكريمة ، يرى أكثر من عشرة أدلة ، على وحدانية اللَّه - تعالى - وعلى انفراده بالخلق ، وعلى إمكانية البعث ، ومن هذه الأدلة خلق الإنسان من تراب ، وصيرورته بعد تقلبه في أطوار التكوين بشرا سويا ، وإيجاده - سبحانه - للذكور والإناث ، حتى يبقى النوع الإنسانى إلى الوقت المقدر في علمه - تعالى - : وإيجاده للناس على هذه الصورة التي اختلفت معها ألسنتهم وألوانهم ، مع أن أصلهم واحد ، وجعله - تعالى - الليل مناما لراحة الناس ، والنهار معاشا لابتغاء الرزق ، وإنزاله المطر من السماء لإحياء الأرض بالنبات ، وبقاء السماوات والأرض على هذه الصورة العجيبة بأمره وتدبيره . . إلى غير ذلك من الأدلة المبثوثة في الأنفس والآفاق . ثم أكد - سبحانه - ما يدل على إمكانية البعث ، فقال - تعالى - : * ( وهُوَ الَّذِي يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُه . . ) * . أي : وهو - سبحانه - الذي يبدأ الخلق بدون مثال سابق ، ثم يعيد هذه المخلوقات بعد موتها إلى الحياة مرة أخرى للحساب والجزاء . والضمير في قوله : * ( وهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْه ) * للإعادة المفهومة من قوله * ( ثُمَّ يُعِيدُه ) * والتذكير للضمير باعتبار المعنى ، أي : والعود أو الرد ، أو الإرجاع أهون عليه . أي : وهو - سبحانه - وحده الذي يخلق المخلوقات من العدم ، ثم يعيدها إلى الحياة مرة أخرى في الوقت الذي يريده ، وهذه الإعادة للأموات أهون عليه ، أي : أسهل عليه من البدء . وهذه الأسهلية على طريقة التمثيل والتقريب ، بما هو معروف عند الناس من أن إعادة الشيء من مادته الأولى أسهل من ابتدائه . ورحم اللَّه صاحب الكشاف ، فقد وضح هذا المعنى فقال : قوله : * ( وهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْه ) * أي : فيما يجب عندكم ، وينقاس على أصولكم ، ويقتضيه معقولكم لأن من أعاد منكم صنعة